أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

317

التوحيد

الكتب إذا فهمها وميزها يصير كالآخذ لها من المعدن الذي أخذ منه مصنفها ، وما ورد عن بعض أهل اللّه من منع بعض التلامذة عن مطالعة كتب الحقيقة هو لإشرافه على قصور ذلك المريد عن فهم ما وضع في كتب الحقيقة لأنه قاصر الفهم ، لا يخلو إما أن يتأول كلامهم على خلاف ما أرادوه فيستعمله فيهلك أو يضيع العمر في تصفح الكتب بلا فائدة فنهى الشيخ لمثل هذا عن مطالعة الكتب واجب ليشتغل بغيرها مما فيه نفعه ، وأما من كان ذا عقل ذكي وفهم وتمييز جلي وإيمان قوي فإنه يأخذ من كتبنا كل مأخذ وينال منها كل مقصد ، ولقد رأيت في زماننا هذا طائفة كثيرة من كل جنس من أجناس العرب والفرس والهند والترك وغير ذلك من الأجناس كلهم بلغوا بمطالعة كتب الحقيقة مبالغ الرجال ونالوا منها مقاصد الآمال ، فمن أضاف بعد ذلك إلى علمه فضلة سلوك واجتهاد صار من الكمل ومن وقف مع علمه صار من العارفين إلى آخر ما بسطه من الكلام في هذا المقام ، فانظر إلى قوله : فمن أضاف بعد ذلك إلى علمه فضلة سلوك واجتهاد صار من الكمل ، ومن وقف عنده صار من العارفين فإن المفهوم منه أن من خالف الشريعة ولم يتقيد بأحكامها لا يصير من الكاملين بالطريق الأولى خصوصا من اعتقد أن الشريعة وأحكامها ليست بلازمة عليه لأنه عارف وإنما ذلك لازم في حق الجاهلين كما هو اعتقاد الزنادقة والملحدين ، وأما من تأدب بالآداب الشرعية ظاهرا وباطنا وكان اعتقاده حسنا على وجه السنة ولكنه لم يسلك طريقة أهل الورع والزهد فإنه يصير عارفا من غير ذوق وكشف ومشاهدة ، ومن جاهد في نفسه المجاهدة الشرعية الخالية من البدعة لا بد أن يذوق ما ذاق الرجال ويتحقق بمشاهدة ذي الجلال ( فضلا عن ) حصول ( المرتبة الأخيرة ) وهي مرتبة جمع الجمع والفرق الثاني كما قدمناه ( التي هي أعلى مما سواها من المرتبتين ) المذكورتين . فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن جميع الموجودات ) أي الظاهرة بالوجود الواحد الحق سبحانه من كل مخلوق أي مفروض مقدر ( من حيث الوجود ) الواحد الحق تعالى ( عين ) الوجود الواحد ( الحق سبحانه وتعالى ) ولهذا قال تعالى إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أي بتقدير له منا فالأشياء كلها تقاديره تعالى وتصاويره و ( إنّا ) أصلها ( إننا ) فقوله ( نا ) ضمير المتكلم المعظم نفسه وهو الوجود الواحد الحق سبحانه و ( كلّ ) في قراءة الرفع خبر ( إنّا ) أي نحن كل شيء منعوت بإنّا خلقناه أي قدرناه بقدر من قوله تعالى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ أي بمقدار مقدر وخلقنا أي قدرنا من قوله تعالى ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) فالوجود الواحد الحق سبحانه منزه عن جميع مخلوقاته أي مقدراته التي خلقها أي قدرها عن أن يتصف بها ، لأنها كلها عدم والوجود لا يتصف